المقداد السيوري

552

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

تدلّ على ما ذهب إليه ، وهي شيء قائم بنفسه لا حجم له ولا حيّز ، لا يصحّ عليه التركيب ولا الحركة ولا السكون ولا الاجتماع ولا الافتراق ، وهو الشيء الذي كانت تسمّيه الحكماء الأوائل « الجوهر البسيط » وكذلك كلّ حيّ فعّال محدث فهو جوهر بسيط وليس كما قال الجبائي وابنه وأصحابهما : إنّه جملة مؤلّفة ، ولا كما قال ابن الأخشاد : إنّه جسم متخلخل في الجملة الظاهرة ، ولا كما قال الأعوازي : إنّه جزء لا يتجزّأ ، وقوله فيه قول معمّر من المعتزلة وبني نوبخت من الشيعة على ما قدّمت ذكره ، وهو شيء يحتمل العلم والقدرة والحياة والإرادة والكراهة والبغض والحبّ ، قائم بنفسه محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد . والوصف له أنّه حيّ يصحّ عليه القول بأنّه عالم قادر ، وليس الوصف له بالحياة كالوصف للأجساد بالحياة حسبما قدمناه ، وقد يعبّر عنه بالروح ، وعلى هذا المعنى جاءت الأخبار أنّ الروح إذا فارقت نعمت وعذبت ، والمراد الإنسان الذي هو الجوهر البسيط يسمّى الروح ، وعليه الثواب والعقاب ، وإليه يوجّه الأمر والنهي والوعد والوعيد . وقد دلّ القرآن على ذلك بقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ فأخبر تعالى أنّه غير الصورة وأنّه مركّب فيها ، ولو كان الإنسان هو الصورة لم يكن لقوله تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ معنى ؛ لأنّ المركّب في الشيء غير الشيء المركّب فيه ، ومحال أن تكون الصورة مركّبة في نفسها وعينها ؛ لما ذكرناه وقد قال سبحانه في مؤمن آل يس : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي فأخبر أنّه حيّ ناطق منعّم وإن كان جسمه على ظهر الأرض أو في بطنها ، وقال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ . . . فأخبر أنّهم أحياء وإن كانت أجسادهم على وجه الأرض أمواتا لا حياة فيها . وروي عن الصادقين عليهما السّلام أنّهم قالوا : إذا فارقت أرواح المؤمنين أجسادهم أسكنها اللّه تعالى في أجسادهم التي فارقوها فينعّمهم في جنّته ، وأنكروا ما ادّعته العامة من أنّها تسكن في حواصل الطيور الخضر ، وقالوا : المؤمن